الشيخ محمد علي الأنصاري

565

الموسوعة الفقهية الميسرة

الموضوعيّة ، في حين ذهب الأخباريّون إلى عدم حجّيتها في الشبهات الحكميّة التحريميّة ، بل التزموا فيها بوجوب الاحتياط ، واستدلّ كلّ من الفريقين على مذهبه بأدلّة خاصّة ، ونحن نكتفي بذكر أدلّة المجتهدين على البراءة ، أمّا أدلّة الأخباريّين على الاحتياط فقد تقدّمت في عنوان « احتياط » . واستدلّ الأصوليّون على البراءة بالأدلّة الأربعة : الكتاب ، والسنّة ، والإجماع ، والعقل ، وقد تقدّم الكلام عن دليل العقل في البراءة العقليّة ، وبقي البحث عن الثلاثة الباقية . أوّلا - الاستدلال على البراءة بالكتاب : استدلّ على البراءة بعدّة آيات نذكر فيما يلي أهمّها : الآية الأولى - قوله تعالى : ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا « 1 » : ووجه الاستدلال بها هو : أنّ بعث الرسول كناية عن البيان ؛ لأنّ بيان التكاليف غالبا ما يكون بواسطة الرسول ، وعندئذ يكون مفاد الآية هو : أنّ اللّه تعالى لم يكن يعذّب أحدا ما لم يوصل إليه التكليف ويبيّنه له « 2 » . هذا ، وقد أوردت عدّة مناقشات على الاستدلال ، منها : 1 - ما ذكره الشيخ الأنصاري وحاصله : أنّ الآية بصدد الإخبار عن عدم وقوع العذاب الدنيوي فيما مضى من الأمم السابقة إلّا بعد البيان ، فلا دلالة لها على نفي العذاب الأخروي عند عدم تماميّة البيان « 1 » . وأجيب عن هذه المناقشة بوجوه ، منها : أ - إنّ نفي العذاب الدنيوي عند عدم تماميّة البيان يدلّ على نفي العذاب الأخروي بالأولويّة القطعيّة ؛ لأنّه أعظم وأدوم « 2 » . ب - إنّ التعبير الوارد في الآية وهو : ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ . . . « 3 » وأمثاله ، كقوله تعالى : ما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ « 4 » يدلّ على أنّ الفعل المشار إليه ليس من شأنه تعالى ، من غير فرق بين قوم وقوم ، أو عذاب دون عذاب « 5 » . 2 - ما أورده الشيخ الأنصاري أيضا ، وحاصله : أنّ الآية تنفي فعليّة العذاب ، وذلك لا يستلزم نفي استحقاقه ، وبعبارة أخرى : أنّ الآية تدلّ على أنّ الأقوام السابقين ما كان اللّه ليعذّبهم قبل إتمام الحجّة عليهم ، وهذا لا يدلّ على أنّهم لم يكونوا مستحقّين للعقاب ، فمن المحتمل أنّهم كانوا

--> ( 1 ) الإسراء : 15 . ( 2 ) انظر فرائد الأصول 2 : 22 - 23 . 1 انظر فرائد الأصول : 23 . 2 انظر : نهاية الدراية 4 : 29 ، ومصباح الأصول 2 : 256 . 3 الإسراء : 15 . 4 التوبة : 115 . 5 انظر : نهاية الأفكار 3 : 205 ، ومصباح الأصول 2 : 256 .